سيف الدين الآمدي
223
أبكار الأفكار في أصول الدين
وإن سلمنا أنه كان ملجأ إلى تحكيم الرجال من أصحابه ؛ ولكن لا نسلم أنه كان ملجأ إلى تحكيم أعدائه ، وقوم معينين : كعمرو بن العاص ، ونحوه ، وكل ما يقال في إلجائه إلى تحكيم عمرو بن العاص ، وأبى موسى الأشعري بعينهما ؛ فهو من باب الكذب ، والتخرص الّذي لا سبيل إلى إثباته بنقل من نقل الثقات ، ويدل على ما ذكرناه الشعر المنقول عنه ؛ فإنه يدل على أنه أخطأ في التحكيم . قولهم : إنما أراد به ما نقلوه عنه ، من كتاب محمد بن أبي بكر ، واعتراض معاوية له ؛ ليس كذلك ؛ فإنه ذكره عقيب التحكيم ، وخروج الخوارج عليه بسببه ؛ وذلك يوجب القطع بأنه إنّما أراد به التحكيم الّذي بسببه انفتق عليه الخرق من الخوارج ، وانفلج عليه الحكم ، وفسد به حاله ، واستظهر به أعداؤه ، إلى حالة مماته ولهذا قال : « لقد عثرت عثرة لا أنجبر » . واعتراض معاوية لكتاب محمد بن أبي بكر لم يكن من العثرات المؤثرة ، ولا من الأمور الموجبة ، لاختلال حال عليّ ، بخلاف التحكيم ، على ما لا يخفى ؛ وذلك يوجب القطع بضعف ما نقلوه ، وكذب ما أوردوه . قولهم : إنما لم يجعل مال قتلى وقعة الجمل فيئا ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنهم مسلمون ، وأنهم كانوا ملتزمين لأحكام الاسلام ، ومن هو بهذه المثابة فمن مذهبه - عليه السلام - أن ماله لا يكون فيئا . قلنا : فيلزمهم أن يكون مخطئا في اعتقاده [ أن ] « 1 » مال المرتدين من بنى حنيفة فيئا ؛ لأنهم كانوا بهذه / المثابة ، وعلى هذه الصفات ، ويدل على اعتقاده ذلك ، أنه اشترى الحنفية من السّابين لها . وعند ذلك فلا يخلو إما أنه كان معتقدا لصحة الشراء ، أو غير معتقد له . لا جائز أن يقال : إنّه لم يكن معتقدا لصحة الشراء ؛ لوجهين : الأول : أنهم قد نقلوا أنه أعتقها ، والعتق يستدعى سابقة الملك ولا ملك ، ولا سبب له غير الشراء . الثاني : أنه لو لم يكن الشراء صحيحا في معتقده ؛ لما جاز له تسليم الثمن إلى البائع ؛ لأن تصرفه فيه يكون حراما ، والتمكين من فعل الحرام حرام ، ويلزم من ذلك خروجه عن كونه معصوما .
--> ( 1 ) ساقط من ( أ )